النويري

410

نهاية الأرب في فنون الأدب

كم من قصور للملوك تقدّمت فاستوجبت بقصورك التأخيرا . فعمرتها وملكت كلّ رياسة منها ، ودمّرت العدا تدميرا . وقال عمارة اليمنىّ ، يصف دارا بناها فارس الإسلام من أبيات : فتملّ دارا شيّدتها همّة ، يغدو العسير بأمرها متيسّرا . فاقت على الإطلاق كلّ بنيّة ، وسمت بسعدك عزّة وتكبّرا . أنشأت فيها للعيون بدائعا دقّت ، فأذهل حسنها من أبصرا . فمن الرّخام : مسيّرا ، ومسهّما ، ومنمنمّا ، ومدرهما ، ومدنّرا . وسقيت من ذوب النّضار سقوفها حتّى يكاد نضارها أن يقطر . لم يبق نوع صامت أو ناطق إلا غدا فيها الجميع مصوّر . فيها حدائق لم تجدها ديمة ، كلَّا ولا نبتت على وجه الثّرى . لم يبد فيها الروض إلا مزهرا ، والنخل والرّمان إلا مثمرا . والطَّير مذ وقعت على أغصانها وثمارها ، لم تستطع أن تنفرا . وبها من الحيوان كلّ مشبّه [ 1 ] لبس الحرير العبقرىّ مصوّرا . لا تعدم الأبصار بين مروجها ليثا ولا ظبيا بوجرة أعفرا . أنست نوافر وحشها لسباعها : فظباؤها لا تتّقى أسد الشّرى . وكأنّ صولتك المخيفة أمّنت أسرابها أن لا تخاف فتذعرا . وبها زرافات كأنّ رقابها في الطَّول ألوية تؤمّ العسكرا . نوبيّة المنشأ تريك من المها روقا ، ومن بزل المهارى مشفرا . جبلت على الإقعاء من أعجازها ، فتخالها في التّيه تمشى القهقرى !

--> [ 1 ] في الأصول « مسبهن » . ولعلها تصحيف .